X
    التصنيفات: لايف

أصيب بالعمى وتذكره النجوم قبل وفاته بشهرين وبعضهم تبرع له بـ 5 جنيه.. ما لا تعرفه عن عبد الفتاح القصري

عبد الفتاح القصري

لو أُتيح يومًا للمشاهد العربي أن يجد قصة العبقري الراحل عبد الفتاح القصري مُجسّدة دراميًا على الشاشة، كما وجدنا مع بعض الفنانين الذي تم تجسيد سيرتهم الذاتية، لوجدنا حياته تفيض بالمآسي، التي لو تم سردها في عمل فني سيُتهم كاتبها بالمبالغة، فحياة القصري المليئة بالإيفيهات والاسكتشات الخالدة على المستوى الفني ــ بالرغم من قلة أعماله ــ تلك الحياة ذاتها حفلت بالعديد من المواقف التراجيدية على المستوى الشخصي.

خمسون عامًا أو أقل عاشها الرجل الذي إلى الآن لا زال جمهوره حائرًا في نُطق اسمه، ومن ثمّ سبب تلك التسمية، فقيل أن لقب «القصري»، يرجع أثره إلى العصر الفاطمي، حيث كان يُطلق على كل من كان يعمل في بلاط الأسرة المالكة، نسبة إلى القصر محل العمل، وقيل أيضًا، أن التسمية ترجع إلى احتمالية وجود أصل لعبد الفتاح تمتد جذوره إلى مدينة الأقصر، فتبدّل الاسم مع الوقت من الأقصري إلى القصري.

لم يكن خبر وفاة القصري مُفاجئا للصحافة المصرية، حين استيقظ المصريون صبيحة يوم الأحد في مثل هذا اليوم من عام 1964، على نبأ وفاته عن عمر يناهز الخمسين عامًا، بعد صراع طويل ومرير مع المرض وخيانة أقرب الناس إليه، ومرارة نسيانه من قِبل أصدقاء المهنة، الذين تركوه فريسة لزوجته، تلك الصبية الصغيرة التي استغلت مرضه للسطو على أمواله، وبعده تطلب الطلاق لتتزوج من شاب كان يعطف عليه القصري.

الحكاية يدأت عندما كان يؤدي دوره على خشبة المسرح بجوار إسماعيل ياسين، حتى صرخ فجأة: «مش شايف يا ناس.. نظري راح»، وعلى إثرها انفجر الجمهور ضاحكين، ظنًا منهم أن تلك العبارة هي إحدى جمله الحوارية بالنص المكتوب أو على أقل تقدير ارتجالة من ارتجالاته، وقتها فهم زميله على الخشبة إسماعيل المأساة، وأخذه إلى داخل الكواليس، ليتبينوا بعدها أن ارتفاع نسبة السكر هو المسؤول عن فقدان بصره.

 


القصري صاحب أشهر المشاهد إضحاكًا في تاريخ السينما المصرية، سواء بأدوار المعلم الشهم أو الطامع في سلطة بطريقته الكوميدية، بداية من عبد المجيد ساطور في «سي عمر»، مرورًا بسيد البقال في «السوق السوداء»، و إبراهيم نفخو في «لعبة الست»، وصولًا إلى الحاج عبد العزيز في «الأستاذ فاطمة»، والريس حنفي في «ابن حميدو»، تدور به الأيام ويجلس في بيته فريسة لطمع زوجته، يجلس في شرفة منزله يطلب من المارة سيجارة ينفث فيها همومه، بعد أن كان سليل أحد أكبر تجار الذهب بمنطقة الصاغة بالجمالية “بيلعب بالفلوس لعب”، قبل أن يفر هاربًا نحو الفن، الذي لم يكن يعرف أن تكون نهايته بهذه الطريقة الميلودرامية.

قبل شهرين من وفاته انتقلت زميلته الفنانة ماري منيب في زيارة شهيرة إلى منزله بصحبة الفنانة نجوى سالم، وبعد معاناة مع إحدى صديقات طليقته، قُدر لهما أن يقفا بنفسهما على حالته، التي فقد فيها الكثر من بصره وبعض من ذاكرته، وعلى الفور اتصلت بمستشفى الدمرداش لتحجز له سريرًا على نفقتها الخاصة، في هذه الأثناء كان بيته على موعد مع التشميع بالشمع الأحمر تمهيدًا لإزالته، مما يُنذر أن القصري علاوة أصبح بلا مأوى أيضًا.

وقتها قدمت الفنانة نجوى سالم مثلًا رائعًا في الوفاء، حين ناشدت كل الجهات لإنقاذ القصري، فقامت نقابة الممثلين بصرف إعانة عاجلة قدرها عشرون جنيهًا ــ خصمت منها سبعة جنيهات قيمة اشتراجات متأخرة على القصري ــ وإعانة شهرية قيمتها عشرة جنيهات، وسعت نجوى أيضًا عند محافظ القاهرة وقتها صلاح الدسوقي محافظ القاهرة وقتها، الذي سارع لتوفير شقة للقصري بالمساكن الشعبية بمنطقة الشرابية، بإيجار 280 قرشًا في الشهر، وساهم الكاتب يوسف السباعي بمبلغ خمسون جنيهًا لتوفير بعض الأثاث بالشقة، واستطاعت نجوى أن تحصل على جهاز تليفزيون، عن طريق صلاح عامر رئيس مؤسسة السينما والمسرح والتليفزيون.

 
يبدو أن كل تلك الجهود كانت أكبر من طموحات نجوى سالم، فعلاج القصري كان يتطلب وجود أموال بشكل دائم، فقادت الفنانة هند رستم داخل الوسط الفني لعلاج القصري، ونشرت وقتها جريدة الجمهورية، وجاء فيها فريد الأطرش 100 جنيه، عبد الحليم حافظ 50، جمال الليثي 25، شادية 20، ماري كويني، أحمد مظهر، ومريم فخر الدين كل منهم خمسة جنيهات.

يبدو أن تلك التبرعات جاءت متأخرة، فلم يستطع أن يهنأ بها القصري سوى أشهر قليلة، قبل أن يرحل في مثل هذا اليوم من عام 1964 تاركأ وراءه العديد من المواقف الفنية المضحكة، والإنسانية الغارقة في المأساة.

 

دينا السيد:
مقالات مميزة
Leave a Comment